فصل: مشروعيّة الضّمان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


ضِمَار

التّعريف

1 - تطلق كلمة ‏"‏ الضّمار ‏"‏ في لغة العرب على‏:‏ كلّ شيء لست منه على ثقة‏.‏

قال الجوهريّ‏:‏ الضّمار ما لا يرجى من الدّين والوعد، وكلّ ما لا تكون منه على ثقة‏.‏ كذلك يطلق الضّمار في اللّغة على‏:‏ خلاف العيان، وعلى‏:‏ النّسيئة أيضاً، وقيل‏:‏ أصل الضّمار ما حبس عن صاحبه ظلماً بغير حقّ‏.‏

وحكى المطرّزيّ أنّ أصله من الإضمار، وهو التّغيّب والاختفاء، ومنه أضمر في قلبه شيئاً‏.‏ أمّا الضّمار من المال‏:‏ فهو الغائب الّذي لا يرجى عوده، فإذا رجي فليس بضمار‏.‏

2 - واصطلاحاً يطلق الفقهاء ‏"‏ المال الضّمار ‏"‏ على المال الّذي لا يتمكّن صاحبه من استنمائه، لزوال يده عنه، وانقطاع أمله في عوده إليه‏.‏

وعلى هذا عرّفه صاحب ‏"‏ المحيط ‏"‏ من الحنفيّة بقوله‏:‏ هو كلّ ما بقي أصله في ملكه، ولكن زال عن يده زوالاً لا يرجى عوده في الغالب‏.‏

وقال الكاسانيّ‏:‏ هو كلّ مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام أصل الملك‏.‏

وفي مجمع الأنهر‏:‏ هو‏:‏ مال زائل عن اليد، غير مرجوّ الوصول غالباً‏.‏

3 - وقد ذكر الفقهاء للمال الضّمار صوراً عديدةً أهمّها‏:‏

أ - المال المغصوب إذا لم يكن لصاحبه على الغاصب بيّنة، فإن كانت له عليه بيّنة فليس بضمار‏.‏

ب - المال المفقود، كبعير مفقود، إذ هو كالهالك، لعدم قدرته عليه‏.‏

ج - المال السّاقط في البحر، لأنّه في حكم العدم‏.‏

د - المال المدفون في برّيّة أو صحراء إذا نسي صاحبه مكانه، ثمّ تذكّره بعد زمان‏.‏

هـ – المال الّذي أخذه السّلطان مصادرةً ظلماً، ثمّ وصل إليه بعد سنين‏.‏

و – الدّين المجحود الّذي جحده المدين سنين علانيةً إذا لم يكن عليه بيّنة، ثمّ صارت له بيّنة بعد سنين، بأن أقرّ الجاحد عند قوم به‏.‏

ز - المال الّذي ذهب به العدوّ إلى دار الحرب‏.‏

ح - المال المودع عند من لا يعرفه إذا نسي شخصه سنين، ثمّ تذكّره‏.‏

4 - ويلاحظ بالتّأمّل في هذه الصّور الّتي ذكرها الفقهاء أنّ المال الضّمار قد يكون عيناً يئس صاحبها من الوصول إليها، وقد يكون ديناً لا يرجى لجحود المدين وعدم البيّنة‏.‏ يشهد لذلك في الدّيون ما روى ابن أبي شيبة في مصنّفه وأبو عبيد في الأموال وابن زنجويه عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ أخذ الوليد بن عبد الملك مال رجل من أهل الرّقّة يقال له أبو عائشة، عشرين ألفاً، فألقاها في بيت المال، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز أتاه ولده، فرفعوا مظلمتهم إليه، فكتب إلى ميمون أن ادفعوا إليهم أموالهم، وخذوا زكاة عامهم هذا، فإنّه لولا أنّه كان مالاً ضماراً أخذنا منه زكاة ما مضى‏.‏

وما روي عن الحسن البصريّ أنّه قال‏:‏ إذا حضر الوقت الّذي يؤدّي الرّجل فيه زكاته أدّى عن كلّ مال وعن كلّ دين، إلاّ ما كان منه ضماراً لا يرجوه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الدّين‏:‏

5 - هو‏:‏ كلّ ما ثبت في الذّمّة من مال بسبب يقتضي ثبوته‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ دين‏)‏‏.‏

ب - العين‏:‏

6 - هي‏:‏ الشّيء المعيّن المشخّص، كبيت وسيّارة، وحصان، وكرسيّ، وصبرة حنطة، وصبرة دراهم حاضرتين‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ دين‏)‏‏.‏

ج - الملك‏:‏

7 - الملك‏:‏ هو حكم شرعيّ مقدّر في العين أو المنفعة، ويقتضي تمكّن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك، والعوض عنه من حيث هو كذلك‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ ملكيّة‏)‏‏.‏

د - التّوى‏:‏

8 - التّوى معناه‏:‏ الهلاك، والمال التّاوي‏:‏ هو الذّاهب الّذي لا يرجى‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ توًى‏)‏‏.‏

هـ - الجحود‏:‏

9 - الجحود‏:‏ هو نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، وليس بمرادف للنّفي من كلّ وجه‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ إنكار‏)‏‏.‏

و - البيّنة‏:‏

10 - البيّنة‏:‏ هي اسم لكلّ ما يبيّن الحقّ ويظهره‏.‏ فكلّ ما يقع البيان به، ويرتفع الإشكال بوجوده فهو بيّنة‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ شهادة وإثبات‏)‏‏.‏

ز - الغصب‏:‏

11 - الغصب هو الاستيلاء على حقّ الغير عدواناً‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ غصب‏)‏‏.‏

حكم المال الضّمار

12 - لقد اختلف الفقهاء في حكم المال الضّمار من حيث وجوب الزّكاة فيه إذا وصل إلى يد مالكه بعد إياسه من الحصول عليه، وذلك على ثلاثة أقوال‏:‏

القول الأوّل‏:‏

13 - ذهب الشّافعيّ - في الجديد - وأحمد - في رواية عنه - والثّوريّ وزفر وأبو عبيد القاسم بن سلام - وهو المعتمد عند الحنابلة - إلى أنّه لا زكاة فيه وهو ضمار، وإنّما تجب فيه الزّكاة للسّنين الماضية إذا وصلت إليه يده‏.‏

واستدلّوا على ذلك‏:‏

أوّلاً‏:‏ بقول الصّحابة - رضي الله عنهم - حيث روى أبو عبيد في كتابه - الأموال - بسنده عن عليّ رضي الله عنه في الدّين المظنون أنّه قال‏:‏ إن كان صادقاً فليزكّه إذا قبضه لما مضى، وروي - أيضاً - بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال‏:‏ إذا لم ترج أخذه فلا تزكّه حتّى تأخذه، فإذا أخذته فزكّ عنه ما عليه‏.‏

ثانياً‏:‏ بأنّ السّبب - وهو الملك - قد تحقّق، وفوات اليد غير مخلّ بالوجوب كمال ابن السّبيل، قال الكاسانيّ‏:‏ لأنّ وجوب الزّكاة يعتمد الملك دون اليد، بدليل‏:‏ ابن السّبيل، فإنّه تجب الزّكاة في ماله وإن كانت يده فائتةً، لقيام ملكه‏.‏

فثبت أنّ الزّكاة وظيفة الملك، والملك موجود، فتجب الزّكاة فيه، إلاّ أنّه لا يخاطب بالأداء للحال، لعجزه عن الأداء لبعد يده عنه، وهذا لا ينفي الوجوب كما في‏:‏ ابن السّبيل‏.‏

وقال أبو عبيد‏:‏ وذلك لأنّ هذا المال - وإن كان صاحبه غير راج له ولا طامع فيه - فإنّه ماله وملك يمينه، فمتى ثبّته على غريمه بالبيّنة أو يسر بعد إعدام، كان حقّه جديداً عليه، فإن أخطأه ذلك في الدّنيا فهو له في الآخرة، وكذلك إن وجده بعد الضّياع كان له دون النّاس، فلا أرى ملكه زال عنه على حال، ولو كان زال عنه لم يكن أولى به من غيره عند الوجدان، فكيف يسقط حقّ اللّه عنه في هذا المال، وملكه لم يزل عنه‏؟‏، أم كيف يكون أحقّ به إن كان غير مالك له‏؟‏‏.‏

القول الثّاني‏:‏

14 - ذهب أبو حنيفة، وصاحباه أبو يوسف ومحمّد، وأحمد - في رواية عنه - والشّافعيّ - في القديم - واللّيث، وأبو ثور، وإسحاق، وقتادة‏:‏ إلى أنّه لا تجب الزّكاة في المال الضّمار، ويستقبل مالكه حولاً مستأنفاً من يوم قبضه، ونقله ابن حبيب عن الإمام مالك‏.‏

واستدلّوا على ذلك‏:‏

أوّلاً‏:‏ بقول الصّحابة رضي الله عنهم، حيث روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ لا زكاة في مال الضّمار‏.‏

ثانياً‏:‏ بأنّ من شروط وجوب الزّكاة في المال‏:‏ الملك التّامّ، وهو غير متحقّق فيه، إذ هو مملوك رقبةً لا يداً، فقد خرج عن يده، وتصرّفه فلم تجب عليه زكاته، كالمال الّذي في يد مكاتبه‏.‏

ثالثاً‏:‏ وبأنّ المال الضّمار غير منتفع به في حقّ المالك، لعدم وصول يده إليه، والمال إذا لم يكن مقدور الانتفاع به في حقّ المالك لا يكون المالك به غنيّاً، ولا زكاة على غير الغنيّ للحديث‏.‏

رابعاً‏:‏ ولأنّ السّبب في وجوب الزّكاة هو المال النّامي، ولا نماء إلاّ بالقدرة على التّصرّف، ولا قدرة عليه في الضّمار، فلا زكاة، قال العينيّ‏:‏ وذلك لأنّ النّماء شرط لوجوب الزّكاة، وقد يكون النّماء تحقيقاً كما في عروض التّجارة، أو تقديراً كما في النّقدين، والمال الّذي لا يرجى عوده لا يتصوّر تحقّق الاستنماء فيه، فلا يقدّر الاستنماء - أيضاً -‏.‏

خامساً‏:‏ ولأنّ السّبب هو المال النّامي تحقيقاً أو تقديراً بالاتّفاق، للاتّفاق على أنّ من ملك من الجواهر النّفيسة ما تساوي آلافاً من الدّنانير ولم ينو فيها التّجارة، لا تجب فيها الزّكاة‏.‏ وولاية إثبات حقيقة التّجارة باليد، فإذا فاتت انتفى تصوّر الاستنماء تحقيقاً، فانتفى تقديراً، لأنّ الشّيء إنّما يقدّر تقديراً إذا تصوّر تحقيقاً، وعلى هذا انتفى في النّقدين - أيضاً - لانتفاء نمائهما التّقديريّ بانتفاء تصوّر التّحقيقيّ بانتفاء اليد، فصار بانتفائهما كالتّاوي، فلذلك لم تجب صدقة الفطر عن الآبق، وإنّما جاز عتقه عن الكفّارة، لأنّ الكفّارة تعتمد مجرّد الملك، وبالإباق والكتابة لا ينتقص الملك أصلاً، بخلاف مال ابن السّبيل لثبوت التّقديريّ فيه، لإمكان التّحقيقيّ إذا وجد نائباً‏.‏

القول الثّالث‏:‏

15 - ذهب مالك - في المشهور عنه - والأوزاعيّ والحسن البصريّ إلى أنّ على مالكه أن يزكّيه لسنة واحدة إذا قبضه‏.‏

واستدلّوا على ذلك‏:‏

أوّلاً‏:‏ بما روى مالك في الموطّأ، وأبو عبيد في الأموال، وابن أبي شيبة في مصنّفه أنّ عمر بن عبد العزيز كتب في مال قبضه بعض الولاة ظلماً، يأمره بردّه إلى أهله، وتؤخذ زكاته لما مضى من السّنين، ثمّ عقّب بعد ذلك بكتاب أن لا يؤخذ منه إلاّ زكاة واحدة، فإنّه كان ضماراً‏.‏

قال الباجيّ‏:‏ قوله أوّلاً أن يؤخذ منه الزّكاة لما مضى من السّنين‏:‏ أنّه لمّا كان في ملكه، ولم يزل عنه، كان ذلك شبهةً عنده في أخذ الزّكاة منه لسائر الأعوام، ثمّ نظر بعد ذلك‏:‏ فرأى أنّ الزّكاة تجب في العين، بأن يتمكّن من تنميته، ولا يكون في يد غيره، وهذا مال قد زال عن يده إلى يد غيره، ومنع هذا عن تنميته، فلم تجب عليه غير زكاة واحدة‏.‏ ثانياً‏:‏ قال القاضي عبد الوهّاب‏:‏ ودليلنا على أنّ عليه زكاة سنة واحدة‏:‏ أنّه حصل في يده في طرف الحول عين نصاب، فوجب عليه الزّكاة، ولا يراعى تضاعيف الحول، بدليل أنّه لو كان معه في أوّل الحول نصاب، فاشترى به سلعةً ثمّ باعها في آخر الحول بنصاب لزمته الزّكاة، لكونها عيناً طرفي الحول من غير مراعاة لوسطه‏.‏

صِيَام

انظر‏:‏ صوم

ضمانة

انظر‏:‏ كفالة

ضَمَان

التّعريف

1 - يطلق الضّمان في اللّغة على معان‏:‏

أ - منها الالتزام، تقول‏:‏ ضمنت المال، إذا التزمته، ويتعدّى بالتّضعيف، فتقول‏:‏ ضمّنته المال، إذا ألزمته إيّاه‏.‏

ب - ومنها‏:‏ الكفالة، تقول‏:‏ ضمّنته الشّيء ضماناً، فهو ضامن وضمين، إذا كفله‏.‏

ج - ومنها التّغريم، تقول‏:‏ ضمّنته الشّيء تضميناً، إذا غرّمته، فالتزمه أمّا في اصطلاح الفقهاء فيطلق على المعاني التّالية‏:‏

أ - يطلق على كفالة النّفس وكفالة المال عند جمهور الفقهاء من غير الحنفيّة، وعنونوا للكفالة بالضّمان‏.‏

ب - ويطلق على غرامة المتلفات والغصوب والتّعييبات والتّغييرات الطّارئة‏.‏

ج - كما يطلق على ضمان المال، والتزامه بعقد وبغير عقد‏.‏

د - كما يطلق على وضع اليد على المال، بغير حقّ أو بحقّ على العموم‏.‏

هـ – كما يطلق على ما يجب بإلزام الشّارع، بسبب الاعتداءات‏:‏ كالدّيات ضماناً للأنفس، والأروش ضماناً لما دونها، وكضمان قيمة صيد الحرم، وكفّارة اليمين، وكفّارة الظّهار، وكفّارة الإفطار عمداً في رمضان‏.‏

وقد وضعت له تعاريف شتّى، تتناول هذه الإطلاقات في الجملة، أو تتناول بعضها، منها‏:‏

أ - أنّه‏:‏ عبارة عن ردّ مثل الهالك، إن كان مثليّاً، أو قيمته إن كان قيميّاً‏.‏

ب - وأنّه‏:‏ عبارة عن غرامة التّالف‏.‏

ج - وبالمعنى الشّامل للكفالة - كما يقول القليوبيّ -‏:‏ إنّه التزام دين أو إحضار عين أو بدن‏.‏

د - وفي مجلّة الأحكام العدليّة أنّه إعطاء مثل الشّيء إن كان من المثليّات وقيمته إن كان من القيميّات‏.‏

هـ - وعند المالكيّة‏:‏ شغل ذمّة أخرى بالحقّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الالتزام‏:‏

2 - الالتزام في اللّغة‏:‏ الثّبوت والدّوام، وفي الاصطلاح الفقهيّ‏:‏ إلزام المرء نفسه ما لم يكن لازماً لها‏.‏

ب - العقد‏:‏

3 - العقد‏:‏ ارتباط أجزاء التّصرّف الشّرعيّ، بالإيجاب والقبول، وفي المجلّة‏:‏ ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محلّه، فإذا قلت‏:‏ زوّجت، وقال‏:‏ قبلت، وجد معنىً شرعيّ، وهو النّكاح، يترتّب عليه حكم شرعيّ، وهو‏:‏ ملك المتعة‏.‏

ج - العهدة‏:‏

4 - العهدة في اللّغة‏:‏ وثيقة المتبايعين، لأنّه يرجع إليها عند الالتباس‏.‏

وهي كتاب الشّراء، أو هي الدّرك أي ضمان الثّمن للمشتري إن استحقّ المبيع أو وجد فيه عيب‏.‏

وفي الاصطلاح تطلق عند جمهور الفقهاء على هذين المعنيين‏:‏ الوثيقة والدّرك‏.‏

وعرّفها المالكيّة بأنّها‏:‏ تعلّق ضمان المبيع بالبائع أي كون المبيع في ضمان البائع بعد العقد، ممّا يصيبه في مدّة خاصّة‏.‏

والضّمان أعمّ، والعهدة أخصّ‏.‏

د - التّصرّف‏:‏

5 - التّصرّف هو التّقليب، تقول‏:‏ صرّفته في الأمر تصريفاً فتصرّف، أي قلّبته فتقلّب‏.‏ وفي الاصطلاح يفهم من كلام الفقهاء‏:‏ أنّه ما يصدر من الشّخص من قول أو فعل، ويرتّب عليه الشّارع حكماً، كالعقد والطّلاق والإبراء والإتلاف‏.‏

‏(‏ر‏:‏ تصرّف ف 1‏)‏‏.‏

وهو بهذا المعنى أعمّ من الضّمان‏.‏

مشروعيّة الضّمان

6 - شرع الضّمان، حفظاً للحقوق، ورعايةً للعهود، وجبراً للأضرار، وزجراً للجناة، وحدّاً للاعتداء، في نصوص كثيرة من القرآن الكريم، والسّنّة النّبويّة، وذلك فيما يلي‏:‏

أ - فيما يتّصل بمعنى الكفالة، بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ‏}‏ أي كفيل ضامن، فقد ضمن يوسف عليه السلام لمن جاء بصواع الملك - وهو إناؤه الّذي كان يشرب به - قدر ما يحمله البعير من الطّعام‏.‏

ب - وفيما يتّصل بالإتلافات الماليّة ونحوها، بحديث‏:‏ أنس رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ » أهدت بعض أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ طعام بطعام، وإناء بإناء «‏.‏

ج - وفيما يتّصل بضمان وضع اليد‏:‏ حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « أي ضمانه‏.‏

د - وفيما يتّصل بالجنايات - بوجه عامّ - ونحوها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ‏}‏‏.‏

هـ – وفيما يتّصل بجنايات البهائم‏:‏ حديث البراء بن عازب‏:‏ » أنّه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ حفظ الحوائط بالنّهار على أهلها، وأنّ حفظ الماشية باللّيل على أهلها، وأنّ ما أصابت الماشية باللّيل فهو على أهلها «‏.‏

وحديث النّعمان بن بشير قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من أوقف دابّةً في سبيل من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن «‏.‏ وقد أجمع الفقهاء على أنّ الدّماء والأموال مصونة في الشّرع، وأنّ الأصل فيها الحظر، وأنّه لا يحلّ دم المسلم ولا يحلّ ماله إلاّ بحقّ‏.‏

ما يتحقّق به الضّمان

7 - لا يتحقّق الضّمان إلاّ إذا تحقّقت هذه الأمور‏:‏ التّعدّي، والضّرر، والإفضاء‏.‏

أوّلاً‏:‏ التّعدّي

8 - التّعدّي في اللّغة‏:‏ التّجاوز‏.‏

وفي الاصطلاح هو‏:‏ مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه شرعاً أو عرفاً أو عادةً‏.‏

وضابط التّعدّي هو‏:‏ مخالفة ما حدّه الشّرع أو العرف‏.‏

ومن القواعد المقرّرة في هذا الموضوع‏:‏ أنّ كلّ ما ورد به الشّرع مطلقاً، ولا ضابط له فيه، ولا في اللّغة، يرجع فيه إلى العرف‏.‏

وذلك مثل‏:‏ الحرز في السّرقة، والإحياء في الموات، والاستيلاء في الغصب، وكذلك التّعدّي في الضّمان، فإذا كان التّعدّي مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه، رجع في ضابطه إلى عرف النّاس فيما يعدّونه مجاوزةً وتعدّياً، سواء أكان عرفاً عامّاً أم خاصّاً‏.‏

ويشمل التّعدّي‏:‏ المجاوزة والتّقصير، والإهمال، وقلّة الاحتراز، كما يشتمل العمد والخطأ‏.‏

ثانياً‏:‏ الضّرر

9 - الضّرر في اللّغة‏:‏ نقص يدخل على الأعيان‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ إلحاق مفسدة بالغير، وهذا يشمل الإتلاف والإفساد وغيرهما‏.‏

والضّرر قد يكون بالقول، كرجوع الشّاهدين عن شهادتهما، بعد القضاء وقبض المدّعي المال، فلا يفسخ الحكم، ويضمنان ما أتلفاه على المشهود عليه، سواء أكان ديناً أم عيناً‏.‏ وقد ينشأ الضّرر عن الفعل كتمزيق الثّياب، وقطع الأشجار، وحرق الحصائد‏.‏

والضّرر قد يكون بالقول والفعل كما سبق، وقد يكون بالتّرك، ومثاله‏:‏ امرأة تصرع أحياناً فتحتاج إلى حفظها، فإن لم يحفظها الزّوج حتّى ألقت نفسها في النّار عند الصّرع، فعليه ضمانها‏.‏

ودابّة غصبت فتبعها ولدها، فأكله الذّئب يضمنه الغاصب، مع أنّه لم يباشر فيه فعلاً‏.‏ وينظر التّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏ضرر‏)‏‏.‏

ثالثاً‏:‏ الإفضاء

10 - من معاني الإفضاء في اللّغة‏:‏ الوصول يقال‏:‏ أفضيت إلى الشّيء‏:‏ وصلت إليه‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

ويشترط لاعتبار الإفضاء في الضّمان ما يلي‏:‏

أن لا يوجد للضّرر أو الإتلاف سبب آخر غيره، سواء أكان هو مباشرةً أم تسبيباً‏.‏

وأن لا يتخلّل بين السّبب وبين الضّرر، فعل فاعل مختار، وإلاّ أضيف الضّمان إليه، لا إلى السّبب، وذلك لمباشرته‏.‏

تعدّد محدثي الضّرر

إذا اعتدى جمع من الأشخاص، وأحدثوا ضرراً‏:‏ فإمّا أن يكون اعتداؤهم من نوع واحد، بأن يكونوا جميعاً متسبّبين أو مباشرين، وإمّا أن يختلف بأن يكون بعضهم مباشراً، والآخر متسبّباً، فهاتان حالان‏:‏

الحال الأولى‏:‏

11 - أن يكونوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين‏:‏ فإمّا أن يتّحد عملهم في النّوع، أو يختلف‏.‏

أ - ففي الصّورة الأولى، أي إذا كانوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين واتّحد عملهم نوعاً، كان الضّمان عليهم بالسّويّة، كما لو تعمّد جماعة إطلاق النّار على شخص واحد، ولم تعلم إصابة واحد منهم، يقتصّ منهم جميعاً، وهذا محمل قول سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه ‏"‏ لو اشترك في قتله أهل صنعاء، لقتلتهم جميعاً ‏"‏‏.‏

ب - وإذا كانوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين، واتّحد عملهم نوعاً، لكن اختلف عملهم قوّةً وضعفاً، كما لو حفر شخص حفرةً في الطّريق، وجاء آخر فوسّع رأسها، أو حفر الأوّل حفرةً وعمّق الآخر أسفلها، فتردّى في الحفرة حيوان أو إنسان، فالقياس عند الحنفيّة هو الاعتداد بالسّبب القويّ، لأنّه كالعلّة، عند اجتماعها مع السّبب، وهذا رأي الإمام محمّد منهم‏.‏

والاستحسان عندهم، هو الاعتداد بالأسباب الّتي أدّت إلى الضّرر جميعاً، قلّت أو كثرت، وتوزيع الضّمان عليها بحسب القوّة والضّعف، فيجب الضّمان أثلاثاً، وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف وآخرين من الحنابلة، وإن لم يميّزوا بين القوّة والضّعف، واعتبروا الاشتراك وربّما رجّح بعضهم السّبب الأوّل، كحافر الحفرة وناصب السّكّين فيها‏.‏

الحال الثّانية‏:‏

12 - أن يكون المعتدون مختلفين، بعضهم مباشر، وبعضهم متسبّب‏:‏

والأصل - عندئذ - تقديم المباشر على المتسبّب في التّضمين وذلك للقاعدة العامّة المعروفة عند جميع الفقهاء‏:‏ إذا اجتمع المباشر والمتسبّب، يضاف الحكم إلى المباشر‏.‏ ومن أمثلة هذه القاعدة ما يلي‏:‏

أ - لو حفر شخص حفرةً في الطّريق، فألقى آخر نفسه، أو ألقى غيره فيها عمداً، لا يضمن الحافر، بل الملقي وحده، لأنّه المباشر‏.‏

ب - لو دلّ سارقاً على مال إنسان، فسرقه، لا ضمان على الدّالّ‏.‏

13 - ويستثنى من قاعدة تقديم المباشرة على التّسبيب صور، يقدّم فيها السّبب على العلّة المباشرة، وذلك إذا تعذّرت إضافة الحكم إلى المباشر بالكلّيّة فيضاف الحكم - وهو الضّمان هنا - إلى المتسبّب وحده، كما إذا دفع رجل إلى صبيّ سكّيناً ليمسكه له، فسقط من يده، فجرحه، ضمن الدّافع، لأنّ السّبب هنا في معنى العلّة‏.‏

تتابع الأضرار

14 - إذا ترتّبت على السّبب الواحد أضرار متعدّدة، فالحكم أنّ المتعدّي المتسبّب يضمن جميع الأضرار المترتّبة على تسبّبه، ما دام أثر تسبّبه باقياً لم ينقطع، فإن انقطع بتسبّب آخر لم يضمن‏.‏

فمن صور ذلك عند الحنفيّة‏:‏

أ - سقط حائط إنسان على حائط إنسان آخر، وسقط الحائط الثّاني على رجل فقتله‏:‏ كان ضمان الحائط الثّاني والقتيل على صاحب الحائط الأوّل لأنّ تسبّب حائطه لم ينقطع‏.‏

فإن عثر إنسان بأنقاض الحائط الثّاني، فانكسر، لم يضمن الأوّل، لأنّ التّفريغ ليس عليه، ولا يضمن صاحب الحائط الثّاني إلاّ إذا علم بسقوط حائطه، ولم ينقل ترابه في مدّة تسع النّقل‏.‏

ب - لو أشهد على حائطه بالميل، فلم ينقضه صاحبه حتّى سقط، فقتل إنساناً، وعثر بالأنقاض شخص فعطب، وعطب آخر بالقتيل، كان ضمان القتيل الأوّل وعطب الثّاني على صاحب الحائط الأوّل، لأنّ الحائط وأنقاضه مطلوبان منه، أمّا التّلف الحاصل بالقتيل الأوّل، فليس عليه، لأنّ نقله ليس مطلوباً منه، بل هو لأولياء القتيل‏.‏

إثبات السّببيّة

15 - الأصل في الشّريعة، هو أنّ المعتدى عليه الّذي وقع عليه الضّرر، أو وليّه إن قتل، هو المكلّف بإثبات الضّرر، وإثبات تعدّي من ألحق به الضّرر، وأنّ تعدّيه كان هو السّبب في الضّرر‏.‏

وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لو يعطى النّاس بدعواهم، لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر «‏.‏

وتثبت السّببيّة بإقرار المعتدي، كما تثبت بالبيّنة إذا أنكر وتثبت بالقرائن، وبيمين المدّعي وشاهد - على الجملة - ونحوها من طرق الإثبات‏.‏

‏(‏ر‏:‏ إثبات‏)‏‏.‏

شروط الضّمان

16 - يمكن تقسيم شروط الضّمان إلى قسمين‏:‏

شروط ضمان الجناية على النّفس، وشروط ضمان الجناية على المال‏.‏

أوّلاً‏:‏ شروط ضمان الجناية على النّفس‏:‏ الجناية على النّفس إن كانت عمداً وكان الجاني مكلّفاً يجب فيها القصاص، فإن كان الجاني غير مكلّف، أو كانت الجناية خطأً وجبت فيها الدّية‏.‏

وينظر التّفصيل في‏:‏ ‏(‏ديات‏)‏‏.‏

ثانياً‏:‏ شروط ضمان الجناية على المال‏:‏ تتلخّص هذه الشّروط في أن يكون الاعتداء، واقعاً على مال متقوّم، مملوك، محترم، كما يشترط أن يكون الضّرر الحادث دائماً - فلو نبتت سنّ الحيوان لم تضمن المكسورة -، وأن يكون المعتدي من أهل الوجوب، فلا تضمن البهيمة، ولا مالكها إذا أتلفت مال إنسان وهي مسيّبة، لأنّه جبار‏.‏

ولا يشترط كون الجاني على المال مكلّفاً، فيضمن الصّبيّ ما أتلفه من مال على الآخرين، ولا عدم اضطراره، والمضطرّ في المخمصة ضامن، لأنّ الاضطرار لا يبطل حقّ الغير‏.‏

أسباب الضّمان

17 - من أسباب الضّمان عند الشّافعيّة والحنابلة ما يلي‏:‏

1 - العقد، كالمبيع والثّمن المعيّن قبل القبض والسّلم في عقد البيع‏.‏

2 - اليد، مؤتمنةً كانت كالوديعة والشّركة إذا حصل التّعدّي، أو غير مؤتمنة كالغصب والشّراء فاسداً‏.‏

ج - الإتلاف، نفساً أو مالاً‏.‏

وزاد الشّافعيّة‏:‏ الحيلولة، كما لو نقل المغصوب إلى بلد آخر وأبعده، فللمالك المطالبة بالقيمة في الحال، للحيلولة قطعاً، فإذا ردّه ردّها‏.‏

وجعل المالكيّة أسباب الضّمان ثلاثةً‏:‏

أحدها‏:‏ الإتلاف مباشرةً، كإحراق الثّوب‏.‏

وثانيها‏:‏ التّسبّب للإتلاف، كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه ممّا شأنه في العادة أن يفضي غالباً للإتلاف‏.‏

وثالثها‏:‏ وضع اليد غير المؤتمنة، فيندرج فيها يد الغاصب، والبائع يضمن المبيع الّذي يتعلّق به حقّ توفية قبل القبض‏.‏

الفرق بين ضمان العقد وضمان الإتلاف

18 - ضمان العقد‏:‏ هو تعويض مفسدة ماليّة مقترنة بعقد‏.‏

وضمان الإتلاف‏:‏ هو تعويض مفسدة ماليّة لم تقترن بعقد‏.‏

وبينهما فروق تبدو فيما يلي‏:‏

أ - من حيث الأهليّة، ففي العقود‏:‏ الأهليّة شرط لصحّة التّصرّفات الشّرعيّة، والأهليّة - هنا - هي‏:‏ أهليّة أداءً، وهي‏:‏ صلاحية الشّخص لممارسة التّصرّفات الشّرعيّة الّتي يتوقّف اعتبارها على العقل، لأنّها منوطة بالإدراك والعقل، فإذا لم يتحقّقا لا يعتدّ بها‏.‏

أمّا الإتلافات الماليّة، والغرامات والمؤن والصّلات الّتي تشبه المؤن، فالأهليّة المجتزأ بها هي أهليّة الوجوب فقط، وهي صلاحيته لثبوت الحقوق له وعليه، فحكم الصّغير غير المميّز فيها كحكم الكبير، لأنّ الغرض من الوجوب - وهو الضّمان ونحوه - لا يختلف فيه حيّ عن آخر، وأداء الصّغير يحتمل النّيابة‏.‏

ب - من حيث التّعويض، ففي ضمان العقد، لا يقوم التّعويض على اعتبار المماثلة ويكون التّعويض بناءً على ما تراضيا عليه‏.‏

أمّا الإتلافات الماليّة فإنّ التّعويض فيها يقوم على اعتبار المماثلة، إذ المقصود فيها دفع الضّرر، وإزالة المفسدة، والضّرر محظور، فتعتبر فيه المماثلة، وذلك بعموم النّصّ الكريم، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا‏}‏‏.‏

ج - من حيث الأوصاف والعوارض الذّاتيّة، فقد فرّق الفقهاء في ضمانها في العقود وفي الإتلافات، وقرّر الحنفيّة أنّ الأوصاف لا تضمن بالعقد، وتضمن بالغصب، وذلك لأنّ الغصب قبض، والأوصاف تضمن بالفعل، وهو القبض، أمّا العقد فيرد على الأعيان، لا على الأوصاف، والغصب - وكذا الإتلاف - فعل يحلّ بالذّات بجميع أجزائها، فكانت مضمونةً‏.‏

محلّ الضّمان

19 - محلّ الضّمان هو‏:‏ ما يجب فيه الضّمان، سواء أكان الضّمان ناشئاً عن عقد، أم كان ناشئاً عن إتلاف ويد، قال ابن رشد‏:‏ فهو كلّ مال أتلفت عينه، أو تلفت عند الغاصب عينه، بأمر من السّماء، أو سلّطت اليد عليه وتملّك‏.‏

وقال ابن القيّم‏:‏ محلّ الضّمان هو ما كان يقبل المعاوضة‏.‏

ويمكن التّوسّع في محلّ الضّمان، بحيث يشمل جميع المضمونات، بأن يقسّم الفعل الضّارّ، باعتبار محلّه، إلى قسمين‏:‏ فعل ضارّ واقع على الإنسان، وفعل ضارّ واقع على ما سواه من الأموال، كالحيوان والأشياء‏.‏

وقد اعتبر بعض الفقهاء الاعتداء على المال والحيوان ضرباً من الجنايات، فقال الكاسانيّ‏:‏ الجناية في الأصل نوعان‏:‏ جناية على البهائم والجمادات وجناية على الآدميّ، فهذه محالّ الضّمان، فالآدميّ مضمون بالجناية عليه، في النّفس، أو الأطراف‏.‏

وأمّا الأموال فتقسم إلى‏:‏ أعيان، ومنافع، وزوائد، ونواقص، وأوصاف‏.‏

ونبحثها فيما يلي‏:‏

أوّلاً‏:‏ الأعيان

20 - وهي نوعان‏:‏ أمانات، ومضمونات‏.‏

فالأمانات‏:‏ يجب تسليمها بذاتها، وأداؤها فور طلبها، بالنّصّ، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا‏}‏، وتضمن حال التّعدّي، وإلاّ فلا ضمان فيها، ومن التّعدّي الموت عن تجهيل لها، إلاّ ما استثني‏.‏

والمضمونات، تضمن بالإتلاف، وبالتّلف ولو كان سماويّاً‏.‏

والأعيان المضمونة نوعان‏:‏

الأوّل‏:‏ الأعيان المضمونة بنفسها، وهي الّتي يجب بهلاكها ضمان المثل أو القيمة، كالمغصوب، والمبيع بيعاً فاسداً، والمهر في يد الزّوج، وبدل الخلع - إذا كان عيناً معيّنةً- وبدل الصّلح عن دم العمد، إذا كان عيناً‏.‏

الثّاني‏:‏ الأعيان المضمونة بغيرها، وهي الّتي يجب بهلاكها الثّمن أو الدّين، كالمبيع إذا هلك قبل القبض، سقط الثّمن، والرّهن إذا هلك سقط الدّين، وهذا عند الحنفيّة‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ الأعيان المضمونة، إمّا أن تكون مضمونةً بسبب العدوان، كالمغصوبات، وإمّا أن تكون مضمونةً بسبب قبض بغير عدوان، بل بإذن المالك على وجه انتقال تملّكه إليه، بشراء، أو هبة، أو وصيّة، أو قرض، فهو ضامن - أيضاً - سواء أكان البيع صحيحاً، أم كان فاسداً‏.‏

وكذلك الأمر عند الحنابلة فقد عرّفوا الأعيان المضمونة، بأنّها الّتي يجب ضمانها بالتّلف والإتلاف، سواء أكان حصولها بيد الضّامن بفعل مباح، كالعاريّة، أو محظور كالمغصوب، والمقبوض بعقد فاسد، ونحوهما‏.‏

وعدّ السّيوطيّ المضمونات، وأوصلها إلى ستّة عشر، وبيّن حكم كلّ، ومنها‏:‏ الغصب، والإتلاف، واللّقطة، والقرض، والعاريّة، والمقبوض بسوم‏.‏‏.‏‏.‏

21 - وهل تشمل الأعيان المضمونة العقارات‏؟‏

مذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، ومحمّد من الحنفيّة، أنّ العقار يضمن بالتّعدّي، وذلك بغصبه، وغصبه متصوّر، لأنّ الغصب هو‏:‏ إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه، أو هو‏:‏ الاستيلاء على حقّ الغير عدواناً، أو إزالة يد المالك عن ماله – كما يقول محمّد من الحنفيّة – والفعل في المال ليس بشرط، وهذا يتحقّق في العقار والمنقول‏.‏

وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيمن استولى على أرض غيره‏:‏ » من ظلم قيد شبر من الأرض، طوّقه من سبع أرضين «‏.‏

ومذهب أبي حنيفة‏:‏ أنّ الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال، ولهذا عرّفه في الكنز بأنّه إزالة اليد المحقّة، بإثبات اليد المبطلة، وهذا لا يوجد في العقار، ولأنّه لا يحتمل النّقل والتّحويل، فلم يوجد الإتلاف حقيقةً ولا تقديراً‏.‏

فلو غصب داراً فانهدم البناء، أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار، أو غلب الماء على الأرض فبقيت تحت الماء فعليه الضّمان عند الجمهور، ولا ضمان عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف‏.‏

ولو غصب عقاراً، فجاء آخر فأتلفه، فالضّمان على المتلف، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند الجمهور يخيّر المالك بين تضمين الغاصب أو المتلف‏.‏

وقالوا‏:‏ لو أتلفه بفعله أو بسكناه، يضمنه، لأنّه إتلاف، والعقار يضمن به، كما إذا نقل ترابه‏.‏

ثانياً‏:‏ المنافع

22 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المنافع أموال متقوّمة في ذاتها فتضمن بالإتلاف، كما تضمن الأعيان، وذلك‏:‏

أ - لأنّها الغرض الأظهر من جميع الأموال‏.‏

ب - ولأنّ الشّارع أجاز أن تكون مهراً في النّكاح، في قصّة موسى وشعيب - عليهما السلام - مع اشتراط كون المهر فيه مالاً بالنّصّ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم‏}‏‏.‏

ج - ولأنّ المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، أو هو - كما يقول الشّاطبيّ - ما يقع عليه الملك، ويستبدّ به المالك، والمنافع منّا أو من غيرنا بهذه الصّفة، وإنّما تعرف ماليّة الشّيء بالتّموّل والنّاس يعتادون تموّل المنافع بالتّجارة فيها، فإنّ أعظم النّاس تجارةً الباعة، ورأس مالهم المنفعة‏.‏

د - ولأنّ المنفعة - كما قال عزّ الدّين بن عبد السّلام - مباحة متقوّمة، فتجبر في العقود الفاسدة والصّحيحة، وبالفوات تحت الأيدي المبطلة، والتّفويت بالانتفاع، لأنّ الشّرع قد قوّمها، ونزّلها منزلة الأموال، فلا فرق بين جبرها بالعقود وبين جبرها بالتّفويت والإتلاف‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ المنافع لا تضمن بالغصب، سواء استوفاها أم عطّلها أم استغلّها، ولا تضمن إلاّ بالعقد، وذلك‏:‏

أ - لأنّها ليست بمال متقوّم، ولا يمكن ادّخارها لوقت الحاجة، لأنّها لا تبقى وقتين، ولكنّها أعراض كلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى فلا يتصوّر فيها التّموّل‏.‏ وفي ذلك يقول السّرخسيّ‏:‏ المنافع لا تضمن بإتلاف بغير عقد ولا شبهة‏.‏

ب - ولأنّ المنفعة إنّما ورد تقويمها في الشّرع - مع أنّها ليست ذات قيمة في نفسها - بعقد الإجارة، استثناءً على خلاف القياس، للحاجة لورود العقد عليها، وما ثبت على خلاف القياس يقتصر فيه على مورد النّصّ‏.‏

والمالكيّة يضمّنون الغاصب إذا غصب لغرض المنفعة بالتّعدّي، كما لو غصب دابّةً أو داراً للرّكوب والسّكنى فقط، فيضمنها بالاستعمال، ولو كان استعماله يسيراً‏.‏

ولا يضمن الذّات في هذه الحال لو تلفت بسماويّ‏.‏

ثالثاً‏:‏ الزّوائد

23 - وتتمثّل في زوائد المغصوب ونمائه‏.‏

أ - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها مضمونة ضمان الغصب، لأنّها مال المغصوب منه، وقد حصلت في يد الغاصب بالغصب، فيضمنها بالتّلف كالأصل الّذي تولّدت منه‏.‏

ب - وعند الحنفيّة أنّ زوائد المغصوب - سواء أكانت متّصلةً كالسّمن، أم منفصلةً كاللّبن والولد، وثمرة البستان، وصوف الغنم - أمانة في يد الغاصب، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي عليها، بالأكل أو الإتلاف، أو بالمنع بعد طلب المالك‏.‏ وذلك لأنّ الغصب إزالة يد المالك، بإثبات اليد عليه، وذلك لا يتحقّق في الزّوائد، لأنّها لم تكن في يد المالك‏.‏

ج - وللمالكيّة هذا التّفصيل‏:‏

أوّلاً‏:‏ ما كان متولّداً من الأصل وعلى خلقته، كالولد، فهو مردود مع الأصل‏.‏

ثانياً‏:‏ وما كان متولّداً من الأصل، على غير خلقته مثل الثّمر ولبن الماشية ففيه قولان‏:‏ أحدهما أنّه للغاصب، والآخر أنّه يلزمه ردّه قائماً، وقيمته تالفاً‏.‏

ثالثاً‏:‏ وما كان غير متولّد، ففيه خمسة أقوال‏:‏

1 - قيل‏:‏ يردّ الزّوائد مطلقاً، لتعدّيه، من غير تفصيل‏.‏

2 - وقيل‏:‏ لا يردّها مطلقاً من غير تفصيل، لأنّها في مقابلة الضّمان الّذي عليه‏.‏

3 - وقيل‏:‏ يردّ قيمة منافع الأصول والعقار، لأنّه مأمون ولا يتحقّق الضّمان فيه، ولا يردّ قيمة منافع الحيوان وشبهه ممّا يتحقّق فيه الضّمان‏.‏

4 - وقيل‏:‏ يردّها إن انتفع بها، ولا يردّها إن عطّلها‏.‏

5- وقيل‏:‏ يردّها إن غصب المنافع خاصّةً، ولا يردّها إن غصب المنافع والرّقاب‏.‏

رابعاً‏:‏ النّواقص

24 - لا يختلف الفقهاء في ضمان نقص الأموال بسبب الغصب، أو الفعل الضّارّ، أو الإتلاف أو نحوها، سواء أكان ذلك النّقص عمداً أم خطأً أم تقصيراً، لأنّ ضمان الغصب - كما يقول الكاسانيّ - ضمان جبر الفائت، فيتقدّر بقدر الفوات‏.‏

فمن نقص في يده شيء فعليه ضمان النّقصان، وفيه تفصيل في المذاهب الفقهيّة‏:‏

أ - مذهب الحنفيّة أنّ النّقص إمّا أن يكون يسيراً، وإمّا أن يكون فاحشاً‏.‏

والصّحيح عندهم - كما قال الزّيلعيّ - أنّ اليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة، بل يدخل فيه نقصان في المنفعة، كالخرق في الثّوب‏.‏

والفاحش‏:‏ ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة، ويبقى بعض العين وبعض المنفعة‏.‏ وقيل اليسير‏:‏ ما لم يبلغ ربع القيمة، والفاحش ما يساوي ربع القيمة فصاعداً، وبهذا أخذت المجلّة في المادّة / 900 /‏.‏

ففي النّقصان اليسير ليس للمالك إلاّ أخذ عين المغصوب، لأنّ العين قائمة من كلّ وجه، ويضمن الغاصب النّقصان‏.‏

وفي النّقص الفاحش، يخيّر المالك بين أخذ العين، وتضمين الغاصب النّقصان، وبين ترك العين للغاصب وتضمينه قيمة العين‏.‏

فلو ذبح حيواناً لغيره مأكول اللّحم، أو قطع يده، كان ذلك إتلافاً من بعض الوجوه، ونقصاً فاحشاً، فيخيّر فيه المغصوب منه، ولو كان غير مأكول اللّحم، ضمن الغاصب الجميع، لأنّه استهلاك مطلق من كلّ وجه، وإتلاف لجميع المنفعة‏.‏

ولو غصب العقار، فانهدم أو نقص بسكناه، ضمنه، لأنّه إتلاف بفعله، والعقار يضمن بالإتلاف، ولا يشترط لضمان الإتلاف أن يكون بيده‏.‏

وهذا بخلاف ما لو هلك العقار، بعد أن غصبه وهو في يده فإنّه لا يضمنه، لأنّه لم يتصرّف فيه بشيء، فلا يجب الضّمان عند الشّيخين، لأنّه غاصب للمنفعة، وليست مالاً، ولأنّه منع المالك عن الانتفاع ولا يضمن عينه‏.‏

ب - ومذهب المالكيّة في النّقص، أنّه إمّا أن يكون من قبل الخالق، أو من قبل المخلوق‏.‏ فإن كان من قبل الخالق، فليس للمغصوب منه إلاّ أن يأخذه ناقصاً - كما يقول ابن جنّيّ - أو يضمن الغاصب قيمة المغصوب يوم الغصب‏.‏

وقيل‏:‏ إنّ له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب‏.‏

وإن كان من قبل المخلوق وبجنايته فالمغصوب منه مخيّر‏:‏

1 - بين أن يضمّنه القيمة يوم الغصب، ويتركه للغاصب، وبين أن يأخذه ويأخذ قيمة النّقص، يوم الجناية عند ابن القاسم، أو يوم الغصب، عند سحنون‏.‏

2 - وعند أشهب وابن الموّاز‏:‏ هو مخيّر بين أن يضمّنه القيمة، وبين أن يأخذه ناقصاً، ولا شيء له في الجناية، كالّذي يصاب بأمر من السّماء‏.‏

ولهم تفصيل في ضمان البناء أو الغرس في العقار، نذكره في أحكام الضّمان الخاصّة، إن شاء اللّه تعالى‏.‏

ج - ومذهب الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّ كلّ عين مغصوبة، على الغاصب ضمان نقصها، إذا كان نقصاً مستقرّاً تنقص به القيمة، سواء كان باستعماله، أم كان بغير استعماله، كمرض الحيوان، وكثوب تخرّق، وإناء تكسّر، وطعام سوّس، وبناء تخرّب، ونحوه فإنّه يردّها، وللمالك على الغاصب أرش النّقص - مع أجرة المثل، كما قال القليوبيّ - لأنّه نقص حصل في يد الغاصب، فوجب ضمانه‏.‏

خامساً‏:‏ الأوصاف وضمانها

25 - إذا نقصت السّلعة، عند الغاصب، بسبب فوات وصف، فإمّا أن يكون ذلك بسبب هبوط الأسعار في السّوق، وإمّا أن يكون بسبب فوات وصف مرغوب فيه‏:‏

أ - فإن كان النّقص بسبب هبوط الأسعار في الأسواق، فليس على الغاصب أو المتعدّي ضمان نقص القيمة اتّفاقاً، لأنّ المضمون نقصان المغصوب، ونقصان السّعر ليس بنقصان المغصوب، بل لفتور يحدثه اللّه في قلوب العباد، لا صنع للعبد فيه، فلا يكون مضموناً وهذا ما أخذت به المجلّة / المادّة‏:‏ 900 /، ولأنّه لا حقّ للمغصوب منه في القيمة، مع بقاء العين، وإنّما حقّه في العين، وهي باقية، كما كانت، ولأنّ الغاصب إنّما يضمن ما غصب، والقيمة لا تدخل في الغصب‏.‏

ب - وإن كان النّقص بسبب فوات وصف مرغوب فيه، فهو مضمون باتّفاق الفقهاء كما لو سقط عضو الحيوان المغصوب، وهو في يد الغاصب بآفة سماويّة، أو حدث له عند الغاصب عرج أو شلل أو عمىً، ونحو ذلك فإنّ المالك يأخذ المغصوب، ويضمن الغاصب النّقصان، لفوات جزء من البدن، أو فوات صفة مرغوب فيها، ولأنّه دخلت جميع أجزائه في ضمانه بالغصب، فما تعذّر ردّ عينه، يجب ردّ قيمته‏.‏

وطريق معرفة النّقصان أن يقوّم صحيحاً، ويقوّم وبه العيب، فيجب قدر ما بينهما‏.‏